السيد حيدر الآملي
124
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
فإنّ النجّار المهندس إذا كان عالما ولا يحسن العمل ، فيلقي ما عنده على سمع من يحسن عمل النجارة ، وهذا الإلقاء نكاح ، فكلام المهندس أب ، وقبول السّامع أمّ ، ثمّ يصير علم السّامع أبا ( ثانيا ) وجوارحه أمّا ، وإن شئت قلت : فالمهندس أب ، والصّانع الَّذي هو النّجار أمّ ، من حيث ما هو مصغ لما يلقي إليه المهندس ، فإذا أثّر فيه ، فقد أنزل ما في قوته في نفس النّجار ، والصّورة الَّتي ظهرت للنّجار في باطنه ممّا ألقى إليه المهندس ، وحصلت في وجود خياله قائمة ظاهرة له بمنزلة الولد الَّذي ولَّد له فهمه عن المهندس ، ثمّ عمل النّجار فهو أب في الخشب الَّذي هو أمّ النّجارة بالآلات الَّتي يقع بها النّكاح وإنزاله الماء الَّذي هو أثر كلّ ضربة بالقدوم أو قطع بالمنشار ، وكلّ قطع وفصل وجمع في القطع المنجورة لإنشاء الصّورة فظهر التّابوت الَّذي هو بمنزلة الولد المولود الخارج للحسّ . فهكذا فلتفهم الحقائق في ترتيب الآباء والأمهات والأبناء وكيفيّة الإنتاج ، فكلّ أب ليس عنده صفة العمل فليس هو أب من ذلك الوجه حتّى أنّه لو كان عالما ومنع آلة التوصيل بالكلام أو الإشارة ليقع الإفهام وهو غير عامل لم يكن أبا من جميع الوجوه وكان أمّا لما حصل في نفسه من العلوم غير أنّ الجنين لم يخلق فيه الرّوح في بطن أمّه ، أو مات في بطن أمّه فأخالته طبيعة الأم إلى أن تصرّف ، ولم يظهر له عين ، فافهم . وبعد أن عرفت الأب الثّاني من الممكنات وأنّه أمّ ثانية للقلم الأعلى ، كان ممّا ألقى إليها من الإلقاء الأقدس الرّوحاني : الطَّبيعة و ( الهباء ) الهواء فكان أوّل أمّ ولدت توأمين ، فأوّل ما ألقت الطَّبيعة ثمّ تبعتها بالهباء ، فالطَّبيعة والهباء أخ وأخت لأب واحد وأمّ واحدة ، فأنكح الطَّبيعة الهباء فولد بينهما صورة الجسم الكلَّي وهو أوّل جسم ظهر ، فكان الطبيعة الأب ، فإن لها الأثر ، وكان الهباء الأمّ ، فإن فيها ظهر الأثر وكانت النّتيجة الجسم . ثمّ نزل التّوالد في العالم إلى التّراب على ترتيب مخصوص ذكرنا في كتابنا المسمّى « بعقلة المستوفز » ، وفيه طول لا يسعه هذا الباب فانّ الغرض الاختصار .